بقايا السكان يستعدون لضربات "البلدوزر" في قرية بلجيكية
  • Posted on

بقايا السكان يستعدون لضربات "البلدوزر" في قرية بلجيكية

دويل (بلجيكا)11 أكتوبرعاشت إيميلين دريسن التي تبلغ من العمر ٨٢ عاماً مع ابنتها سيسيل فان جيمست منذ زمن طويل، والآن أصبحت جوقة الموسيقى الجنائزية تستعد لعزف لحن تشييع جنازة قرية دويل التي ولدا فيها إلى مثواها الأخير، حيث إن هذه القرية أصبحت مهددة بالاندثار. وتقول الابنة فان جيمست: "يتعيّن علينا أن نرحل من القرية في النهاية، هذا أمر مؤكد، فهم يريدون أراضي قريتنا دويل".وهذه القرية التي تأسست عام ١٦١٣ وسط أراضٍ مستصلحة من البحر بمقاطعة فلاندرز البلجيكية، والتي تعرف اليوم بأنها تستضيف أحد المفاعلين النوويين ببلجيكا، اختارها خبراء التخطيط في التسعينيات من القرن الماضي كموقع لبناء مرسى إضافي جديد لميناء أنتويرب. ويرى الخبراء أنّ هذا التوسع بإضافة حوض جديد للسفن يعدّ على درجة كبيرة من الأهمية لتعزيز دور ميناء أنتويرب كمحور اقتصاديّ، غير أنّ المعارضين لهذا المشروع يشيرون إلى التراث الثريّ الذي تتمتع به قرية دويل والذي يشمل واحدةً من أقدم طواحين الهواء في مقاطعة فلاندرز، ومنزل شيّده الرسام بيتر بول روبنز الذي عاش في القرن السابع عشر.وبعد عقود من المعارك القانونية والحملات التي تهدف إلى الحفاظ على مكانة دويل على الخارطة، يبدو اليوم أنّ الوقت بدأ ينفد أخيراً بالنسبة للمجموعة الباقية من السكان التي لا تزال تتمسك بمنازلها وترفض المغادرة، ومن بينها دريسن وابنتها فان جيمست.ومن المقرر أن تنتهي مدة عقود إيجار مساكن هذه المجموعة - وهي المساكن التي تمتلكها هيئة تطوير الميناء - في نهاية العام الحالي، وبحلول هذا الموعد يمكن أن تبعث الهيئة في أيّ وقت بإنذارات إلى السكان بإخلاء الوحدات السكنية خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.وتقول فان جيمست: "إنهم يريدون أن يصبحوا أكبر ميناء في العالم، وبالتالي سيحققون هدفهم بامتلاك القرية"، وتضيف أنه لم يعد هناك بقرية دويل سوى 20 ساكناً فقط، من بينهم أربعة سكان من الأبناء الأصليين الذين ولدوا بالقرية.وبينما كان السكان يغادرون دويل، جاءت رسوم الجرافيتي لتملأ الفراغ، فقد أتاحت المنازل الشاغرة خلفية ضخمة مقامة في الهواء الطلق يمكن الرسم عليها، وجذبت مجموعة من أفضل رسامي الشوارع في أوروبا.وبإمكان العارفين بفن الجرافيتي التعرف على أعمال رسام الشوارع البلجيكي الشهير (روا) والتي اتخذت أشكال الطيور العملاقة وتزين عدة منازل، أو الفأر الضخم الذي تم رسمه بطريق رش الألوان عبر صفوف من واجهات المتاجر السابقة، ولكن حتى هذه الرسوم تعرضت الآن للتدمير.وعندما يحل الليل تأتي جماعات من الشباب لتتسلى بعمليات التخريب، حيث يهشمون النوافذ أو يغطون المباني بأعمال فنية تفتقر إلى الموهبة والبراعة.وتقول فان جيمست: "إنهم يلهون بألعاب مثل من الشخص الذي يستطيع أن يحطم أكبر عدد من النوافذ"، ويساعدها كلبها ساشا على الشعور بالأمان بالليل.ويتهم جان كريفي المشارك في مجموعة حملة " دويل 2020" المسؤولين بغض البصر وترك القرية تنزلق إلى الاضمحلال، وإلى النقطة التي لن يقاوم فيها أحد مشروع توسيع الميناء، ويقول: "إنهم يتركون ذلك يحدث".ويضع ميناء أنتويرب الذي يقع عند مصب نهر شيلت نفسه في المرتبة العاشرة في قائمة أكبر الموانئ في العالم، ويعد أحد أكثر الموانئ الأوروبية حركةً وازدحاماً إلى جانب ميناء هامبورج الألماني وروتردام الهولندي.ولأنّ ميناء أنتويرب يقع في اتجاه الداخل بمسافة 80 كيلو متراً بعيداً عن البحر، فهو يحتاج إلى مزيد من الأراضي لسرعة تنفيذ عمليات الشحن والتفريغ من أجل مواجهة الموانئ المنافسة له والتي تتمتع بإمكانات للدخول إليها بشكل أكثر سهولة، وهذا يتطلب مزيداً من المساحة خاصة لاستيعاب السفن الضخمة التي يتم استخدامها بشكل متزايد في الطرق البحرية بين أوروبا والشرق الأقصى.وتقول إدارة الميناء على الموقع الإليكتروني الخاص به: "إذا أراد أنتويرب أن يحافظ على دوره كميناء أوروبي بارز لسفن الشحن، فسيحتاج إذن إلى قدرة استيعابية إضافية كبيرة"، وفي يوليو الماضي وافقت الحكومة الفلمنكية المحلية على دراسة تؤكد الحاجة إلى توسيع الميناء.ويشير بيتر فان دي بوت مدير شركة "شيلت ليفت بانك" إلى أنّه "ثمة حاجة إلى حوض إضافي لرسو السفن"، وتتولى هذه الشركة مسؤولية تنفيذ مشروع تطوير الميناء، ويوضح دي بوت أنّه لا يمكن تشييد هذا الحوض إلا على الأراضي التي تقوم عليها قرية دويل.وعلّق العدد القيل من السكان الين ظلوا باقين في القرية لافتات على أبواب منازلهم مدون عليها عبارات تقول: "هذا المنزل بداخله أسرة"، وفي حالة منزل السيدة دريسن فتطل من كل نافذة دمى على شكل دببة.وهذه السيدة التي دخلت في الثمانينيات من العمر تدعو بسعادة غامرة المارة لدخول منزلها وتناول الجعة أو تدخين سيجارة معها، على الرغم من أوامر طبيبها بأن تحدّ من تناول الجعة والتدخين، وتشعر دريسن بالسعادة بشكل خاص عندما تكون بصحبة من يصغرونها سنا والذين يذكرونها بأبنائها.وأكثر ما تخشاه مع ذلك هو اليوم الذي سيأتي فيه المحضر أو مندوب المحكمة ليطرق باب منزلها، وهي تعلم أنّه عندما يتم إخراجها من المنزل بأمر المحكمة سيكون الخيار الوحيد المتاح أمامها هو الانتقال إلى دار لرعاية المسنين.وتقول الابنة فإن جيمست: "إنني لا أستطيع أن أرى أمي تعيش داخل غرفة وحيدة، وتمضي بقية أيامها هناك، ولا أعتقد أنّها ستعيش طويلاً".