إدمان العمل خطر..فاحذروه
من المفترض أن تعني كلمة "إجازة" السعادة والراحة، والتخلّص من الالتزامات والارتباطات والتفرّغ للذات وتدليل النفس والاهتمام بها، لكن هذا المفهوم ليس شاملاً، فالبعض يؤكّد أنه يشعر بالضيق والوحدة والملل لمجرد سماعه كلمة "إجازة".. فما هي الأسباب ؟ هذا ما نحاول أن نجيب عنه في السطور القادمة :عن أسباب شعور البعض بالاكتئاب لمجرد سماعهم كلمة "إجازة" تقول فاطمة الحربي الطالبة الجامعية: "أصبحت الإجازة مرادفاً لكلمة سفر، ولذلك نرى البعض يقرنونها به وإلا فلن يعطوا للإجازة أي اهتمام، وهذا مفهوم خاطئ، فالإجازة من الممكن أن تكون سعيدة ومليئة بالرفاهية حتى دون سفر، يكفينا أننا في بلد يسوده الأمن والأمان ولدينا الكثير من وسائل الترفيه كالشاليهات ومدن الألعاب والمطاعم والفنادق الجميلة والمجمعات التجارية، وللأسف فمن ينظر للإجازة على أنّها سفر يكتئب لمجرد بدءها ومن ثم يكتئب مرةً أخرى فور انتهائها؛ لأنّ نظرته للأمور ضيقة وغير إيجابية، وحال عودته للدراسة أو العمل يبدأ في سماع قصص من سافروا ممن حوله فتبدأ الغيرة تشتعل بصدره ليكتئب من جديد".أما أمينة السباعي وهي زوجة عاملة وسيدة أعمال لديها خمسة أبناء فتقول: "الإجازة بالنسبة لي ولأبنائي وقت نستطيع أن نجتمع خلاله مع كل من نحب، بعيداً عن إصرار البعض على قضائها خارج البلد أنا وأبنائي نحب أن نقضيها بين الناس هنا، نجتمع بالعائلة، نلتقي بالأصدقاء، نخطط لمشاريع ترفيهية مشتركة معهم .. وبمجرّد النظر لغيري ممن لا يملكون عائلات أو أصدقاء أعرف نعمة الله عليّ وعلى أبنائي فأزيد اقتناعاً بأن النشاط الأمثل بالإجازة هو إحاطة العائلة بمن يحبونها ويهتمون لأمرها وليس الهرب منهم أو السفر بعيداً عنهم، من لا يملك عائلة أو صديق حقيقي هو من يحق له فقط أن يكره سماع كلمة إجازة".في حين يقول أيمن بخاري وهو موظف حكومي متقاعد وجدٌّ لستة أحفاد: "السعادة تنبع من الداخل، من قوة الإيمان والرضاء بالقضاء والقدر، ومن الخطأ أن يعتبر أي منا الإجازة مجرّد أهل ومال وسفر واجتماعات، على الجميع أن يصنعوا السعادة من أبسط المعطيات، لا يوجد شخص تعيس مئة بالمئة أو شخص وحيد مئة بالمئة، لكن يوجد شخص ضعيف وسلبي لا يعرف كيف يعطي لكل شيء قيمته ورونقه ليسعد به في أحلك الظروف، بالنسبة لي الإجازة تعني ساعة أقضيها مع أحد أحفادي، أو دقيقة أرى بها أبنائي مجتمعين، أو كتاباً قيماً أقرؤه وحدي، أو نومة هنيئة غير مثقلة بالهموم أو تأنيب الضمير". الإجازة لا تعني السعادة وتقول الأخصّائية الاجتماعية أشواق الدوسري: "الإجازات هي الوقت الوحيد الذي يملك الإنسان التحكّم به وتقسيمه كما يشاء بين كافة النشاطات التي يحبها حتى وإن كانت منزلية للراحة فقط، وهذه نظرة الأغلبية لها، ولكن مقولة إنّ لكل قاعدة شواذ ليست معممة حتى فيما يخص الإجازات؛ فالبعض لا يملكون عائلات أو أصدقاء أو حتى المال ليستمتعوا بالإجازات، والكثيرون مثقلون بالديون ويصارعون هموم الحياة في كل أوقات السنة سواءً التي يكونون بها على رأس العمل أو بإجازة، وغالبيتهم لا يعرفون كيف يعطون لأنفسهم و لمن حولهم طاقة إيجابية؛ لذلك فالإجازة ليست كلمة سعيدة مئة بالمئة.العمل المستمر أكبر خطر وللإشارة إلى أهمية العطلة لتجديد النشاط وإعادة شحن الشخص بالطاقة والحيوية ، انتهت دراسة علمية حديثة إلى أن الأشخاص الذين يعملون أكثر من 8 ساعات في اليوم، أكثر عرضة للإصابة بالجلطة الدماغية مقارنة بالآخرين، حيث تبين أن الذين يعملون 48 ساعة في الأسبوع يزداد خطر إصابتهم بالجلطة الدماغية بنسبة 10%، والذين يعملون 54 ساعة أسبوعياً يرتفع خطر إصابتهم بنسبة 27%، ومن يعمل أكثر من 55 ساعة يرتفع خطر إصابتهم بالجلطة الدموية بنسبة 33%.إدمان العملوفي هذا السياق يقول " الدكتور حسن الخولي - أستاذ علم الاجتماع" بالقاهرة : هناك أشخاصٌ يعشقون العمل ويمثّل لهم كل حياتهم، هؤلاء عندما يأتي موعد العطلة الأسبوعية يشعرون بالملل والضيق الشديد ويقضون فترات كبيرة من اليوم في النوم، ويعزلون أنفسهم عن من حولهم، بل أحياناً تكون لديهم رغبة ملحة في العمل حتى وإن لم يكن هناك شيء ضروري" . ويعرض الخولي أهم أسباب شعور الشخص بالملل أثناء العطلة الأسبوعية في النقاط التالية: 1ـ إدمان العمل إلى حد لا يمكن البعد عنه لعدة إيام . 2ـ الشعور بعدم الأمان الوظيفي وأن هناك من سيسرق مكانه إذا حظي بفترات من الراحة . 3ـ احتدام المنافسة بين أصدقاء العمل والرغبة في إثبات النفس وبالاضافة إلى الإخلاص في العمل. 4ـ الفشل في تكوين علاقات اجتماعية جيدة تحرّك الحياة وتبعث على السعادة .5ـ التقدّم التكنولوجي الذي يكفل متابعة الشخص للعمل أينما وجد . وحول الأعراض التي تصيب مدمني العمل خلال العطلة كان من أبرزها:1ـ الملل الشديد . 2ـ القلق والتوتر . 3ـ النوم لساعات طويلة . 4ـ عدم الرغبة في المشاركة بالأنشطة الاجتماعية . 5ـ البعد عن التجمعات الأسرية . 6ـ الاكتئاب الوقتي الناتج عن الحزن الشديد . 7ـ إحساس دائم بأنّ الفرد لديه عمل ولا يعلم ما هو . ويقدّم " الدكتور إيهاب ماجد – خبير التنمية البشرية، مجموعة من الخطوات البسيطة للتغلب على ذلك ومنها: 1ـ التقليل من ساعات العمل . 2ـ الانخراط في الأنشطة الاجتماعية . 3ـ تحديد موعد أسبوعي للقاء الأصدقاء . 4ـ التطلع لممارسة أنشطة جديدة ومثيرة . 5ـ البعد عن العالم الافتراضي الذي تخلقه مواقع التواصل الاجتماعي . في النهاية وكما أشار البعض، ليست هناك وحدة تامة أو تعاسة كاملة، من ترافقه الظروف السيئة يجب أن يتغلب عليها بخلق الجمال في أي شيء ولو كان بسيطاً، وهنا تقول الأخصائية الاجتماعية نهى فيصل: "من تضطره الظروف لقضاء إجازته وحيداً، فليخلق جواً يشارك به غيره أي لحظات إيجابية وسعيدة قد تغنيه عن العائلة والأصدقاء".