المسحراتي.. كيف كان على مرّ الزمان؟
  • تاريخ النشر

المسحراتي.. كيف كان على مرّ الزمان؟

تختلف أجواء شهر رمضان المبارك عن باقي العام، فبمجرد بداية الشهر الكريم تعم الاحتفالات في البيوت في كل البلدان العربية، وتدوي أصوات أغاني رمضان من جميع البنايات، وتمتلئ الشوارع بالمواطنين الذين يتسوقون لشراء "ياميش رمضان"، وحلوياته المميزة والتي يعشقها الجميع، وتسمع الأطفال يتغنون للشهر الكريم ويلعبون بفوانيس رمضان بعد الإفطار وتشتم رائحة "الفول" و"الفلافل" قرب وقت السحور. بالرغم من جميع المظاهر الروحانية التي لا تختلف كثيرا في البلدان العربية والإسلامية، هناك بعض الظواهر التي اختفت تقريبا من شوارعنا، ارتبطت بالشهر المبارك ولكنها الآن لم تعد موجودة سوى بشكل نادر جدا، مثل "المسحراتي"، و"مدفع الإفطار"، و"زينة الورق". [vod_video id="ok3Y77tPkm9aD8xb7T2Q" autoplay="1"] "المسحر" المسحراتي أو المسحر، لقب يطلق على الشخص الذي يأخذ على عاتقه "إيقاظ المسلمين" في ليالي شهر رمضان لتناول وجبة السحور، والمشهور عن المسحراتي هو حمله للطبل أو المزمار ودقها أو العزف عليها بهدف إيقاظ الناس قبل صلاة الفجر، وعادة ما يكون النداء مصحوباً ببعض التهليلات أو الأناشيد الدينية؛ ولكن مع تقدم الزمن وتطور المجتمع والتكنولوجيا بدأت هذه المهنة بالانقراض، واختفى المسحراتي من معظم الحارات والأحياء، بعدما كان مشهورا ومعترفا به بقوة في معظم الدول العربية. ارتبط "المسحراتي" ارتباطا وثيقا بتقاليدنا الشعبية الرمضانية، فقبل الإمساك بساعتين يبدأ المسحراتي جولته الليلية في الأحياء الشعبية موقظاً أهاليها من أجل تناول وجبة السحور، فيقوم بالضرب على طبلته وصوته الجميل يصدح بأجمل الكلمات مما يضفي سحرا خاصا وهو يردد (قوم يا نايم وحد الدايم يـا غافي وحـد الله يا نايم وحد مولاك اللي خلقك ما بنساك قوموا إلى سحوركم جاء رمضان يزوركم). كان المسحراتي، لا يأخذ أجره، وإنما ينتظر حتى أول أيام "عيد الفطر" المبارك فيمر بالمنازل منزلاً منزلاً ومعه طبلته المعهودة، فيوالي الضرب على طبلته نهار العيد، فيهب له الناس بالمال والهدايا والحلويات ويبادلونه عبارات التهنئة بالعيد السعيد. في البداية كان "بلال بن رباح" أول مؤذن في الإسلام و"ابن أم مكتوم" يقومان بمهمة إيقاظ الناس للسحور، الأول يؤذن فيتناول الناس السحور، والثاني يمتنع بعد ذلك فيمتنع الناس عن تناول الطعام؛ ولكن أول من نادى بالتسحير كان "عنبسة ابن اسحاق" عام 228 هجريا، وكان يذهب ماشياً من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع "عمرو بن العاص" وينادي الناس بالسحور، ويعد أول من أيقظ الناس على الطبلة هم أهل مصر، أما أهل بعض البلاد العربية كاليمن والمغرب فقد كانوا يدقون الأبواب بالنبابيت، وأهل الشام كانوا يطوفون على البيوت ويعزفون على العيدان والطنابير وينشدون أناشيد خاصة برمضان. في مصر كان المسحراتي قديماً ينشد القصائد التي يذكر بها النائم على أربع مرات، أما الآن، في قليل من الأحياء الشعبية فقط، يوجد المسحراتي الذي يكتفي بدق الطبلة قائلا عبارة "يا عباد الله وحدوا الله، اصحى يا نايم وحد الدايم ..السحور يا عباد الله. وفي السعودية وخاصة في مكة المكرمة وجدة، كان المسحراتي يلف الأحياء والشوارع القديمة لإيقاظ الناس، أما اليوم فقد بدأت ظاهرة المسحراتي بالتلاشي في السعودية إذ باتت مقتصرة على القلة القليلة من بعض الأحياء والمناطق السعودية. وفي سوريا كان ينطلق المسحرون ويجوبون الحارات ويمرون بأبواب المنازل يقرعونها بعصيهم الصغيرة ويرددون بأصواتهم المتفاوتة عبارات رمضان التقليدية والتي تشكل حتى اليوم جزءاً لا يتجزأ من شخصية أولئك المسحرين، وحتى الآن مازالت بعض العائلات تعطي المسحراتي خلال جولته بعضاً من طعام سحورها، أما أغلب الناس فاستبدلوا الطعام بالمال. وفي آخر الشهر الكريم وبحلول اليوم الأول للعيد، يعود المسحراتي مع طبلته في جولته الأخيرة ليجمع العيدية من أهالي الحي. في لبنان تراجعت ظاهرة المسحراتي بشكل كبير، وأصبحت تقتصر على عدد قليل من القرى والبلدات وبعض أحياء المدن القديمة في الأطراف، ففي بعض قرى الجنوب والبقاع يجوب المسحراتي منازل المواطنين يقرع أبوابهم بعصاه وينادي عليهم بالاسم وقت السحر للقيام والتهيؤ للصوم وهو يقرع على طبلة صغيرة، أما المسحراتي في تونس كان يطلق عليه اسم " أبوطبيلة "، ولا تزال جهود إبقائه قائمة بالرغم من اقتصار حضورها على بعض المناطق التونسية. تراجعت مهنة "المسحراتي" في كافة الدول العربية الآن، وأصبح قلة قليلة من الناس يشهدون ظهور "المسحر" في رمضان اليوم، فقد بدأت بالتلاشي واحدة من أهم علامات الشهر الكريم في شوارعنا العربية. [more_vid id="OkwBfgINGWpF14wpLIu1Uw" title="حلقة خاصة - عيشوا معنا رمضان" autoplay="1"]