القائمة

مواضيع مشابهة

Share:

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter

إمبراطورية الباركنج في مصر.. مافيا تبيع شوارع الحكومة بالملايين والدولة تعلن الحرب بهذه الطريقة

“هات عجلة ورا”، هكذا يستقبلك أحدهم، مناديا عليك “باشا.. باشا” خلال قيامك بوضع سيارتك للانتظار في أي شارع داخل قاهرة المعز، هذه النداءات تعني أنك الآن أمام شخص يدعى “السائس” ينتظر منك الموافقة على عقد “إجباري” مفاده أن “يحمي” لك السيارة أثناء فترة غيابك، لقاء مقابل مادي “يحدده” هو، غالبا ما يتراوح بين 5 – 10 جنيهات، بحسب حيوية الشارع ومدة الغياب وأيضا مظهر سيارتك. لا يكاد شارع في القاهرة الكبرى يخلو من نداءات السُياس، إذ تعدى الأمر مجرد “استرزاقهم” ومحاولة جلب لقمة العيش اليومية من جيوب أصحاب السيارات، ليصبحوا ذوي نفوذ مادي واجتماعي مشهود في كل تلك الشوارع فهم بلا منازع “ملوك الأرصفة”، نفوذ استطاعوا الحصول عليه إما من السيطرة على شوارع حيوية، أو لأنهم الأكثر إلمامًا بجغرافية المنطقة، وأهلها، وأرقام البنايات، فيملكون بذلك السيطرة على المترجلين حتى ممن يأتون إلى تلك المناطق طالبين بناية بعينها، أو شخصًا بذاته.

الباركنج

من الناحية القانونية، يلزم قانون المجالس المحلية في القاهرة الكبرى مسؤوليها، بالوقوف على عملية انتظار السيارات، فإن تمت إسناد تلك المهمة لأحد من هؤلاء “السياس” فلابد أن يمتلك إذنًا من الحي، وهو مطالب أيضًا بإعطاء صاحب السيارة وصلًا بقيمة المبلغ الذي دفعه كدليل على قانونية وضع السيارة في هذا المكان. لكن اللوائح الداخلية المنظمة لكل محافظة تملك التغيير والتبديل وفقًا للحاجة، ولظروف كل مكان، فالتكدس المروري الموجود في القاهرة الكبرى هو السبب الرئيسي في انتشار تلك الظاهرة، وعليه فإن الأقاليم المصرية المختلفة لا تعرف شيئًا عن قوانين المحليات المختصة بـ”السياس” نتيجة عدم ازدحام شوارعها بهم بنفس القدر، الأمر الذي دفع الأستاذ جمال عبدالصمد، نائب رئيس حي “شرق” بمحافظة الفيوم التي تبعد عن القاهرة 100 كيلومتر إلى التصريح بأن “الظروف المختلفة هي التي تحدث الفارق بين مكان وآخر، في الأقاليم لا تجد الظاهرة موجودة بنفس القوة، وعليه فإننا لا نختبر مثل تلك الظروف، فلم يأت أحد من قبل يطلب ترخيصًا لمزاولة مهنة السائس”. ويضيف عبدالصمد: “الحاجة هي السبب، وهؤلاء الأشخاص يعملون في الشارع لعدم حصولهم على وظيفة، وهذا هو سبب التساهل تجاههم في القاهرة وغيرها”.

الباركنج

وفي كل الأحوال، لا تسير الأمور وفقًا للسند القانوني غالبًا، ففي القاهرة الكبرى، من أراد “التسيس” يلجأ إلى السياس القدامى، فيستأذنهم في مساحة بسيطة تتوسع شيئًا فشيئًا حتى يسيطر على شارع، ثم على منطقة كبيرة، وهكذا، والعاملون بالسند القانوني قلائل للغاية. محمد المصري، السائس أمام جامعة “6 أكتوبر” يقول عن الناحية القانونية للوظيفة: “أنا أعمل في المهنة منذ أعوام، وأملك ترخيصًا بمزاولة المهنة من جهاز مدينة السادس من أكتوبر، وأقول إن السبب في عدم توجه السياس إلى استخراج ذلك التصريح هو أن معظمهم لديهم سوابق جنائية، وورقة -الفيش والتشبيه- الضرورية لإتمام الترخيص، ستكون عائقًا أمامهم إذ ستفتح صفحتهم الجنائية وتفشل مخططاتهم، ولذلك يتجهون إلى فرض أنفسهم في الشارع”. المصري يؤكد أيضًا، أن السياس بينهم من يملك مؤهلات عالية، حيث يؤكد: “أنا خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لكن الحاجة دفعتني إلى امتهان تلك الوظيفة”. عشوائية تلك الظاهرة، فتحت الباب أمام نظرة شعبية عامة ساخطة على “السياس”، حتى وإن بدا أمر إلمامهم بكل صغيرة وكبيرة في الشارع أو المنطقة شيئًا إيجابيًا. تصرفات السياس أيضًا، المدفوعة بمستوى اجتماعي وثقافي وتعليمي وفكري ضحل، تعزز تلك النظرة، فكم من سيارة تم تجريحها عمدًا أو كسر زجاجها، والسبب معروف، مشكلة مع سائس في شارع ما، يحدث العراك بينه وبين صاحب السيارة، ثم ينتهي، والسيارة بين يدي السائس، وصاحبها يذهب لقضاء مصلحته، فتكون النتيجة تشويه السيارة لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بصاحبها. عمار حسن، الطالب بكلية الطب جامعة الفيوم، يتحدث عن معاناته مع السياس فيقول: “سلوكيات السياس سيئة للغاية، لقد تعرضت إلى موقف اضطررت فيه للاشتباك بالأيدي مع أحدهم، حين طلب مني مقابلًا ماديًا لقاء فترة قليلة للغاية قضيت فيها مصلحتي، فرفضت إعطاءه المبلغ المطلوب، وكانت النتيجة أن تعاركنا بالأيدي”. ويضيف حسن: “في القاهرة مثلًا، تعرضت لموقف آخر، حين طلب مني أحدهم 20 جنيهًا للسماح لسيارتي بالوقوف في منطقة “الغورية”، المبلغ الذي كان باهظًا لقاء ذلك المكان غير المرخص أصلًا كموقف للسيارات، فاضطررت للذهاب بعيدًا كي أتمكن من الوقوف دون دفع المقابل المالي المطلوب”. أما محمد جمال، الصيدلي، 26 عامًا، فيقول إنه تعرض من قبل للسب من أحد السياس “لمجرد أنه طلب السند القانوني لمزاولة المهنة”.

يقول جمال: “طلبت منه وصلًا يفيد بقانونية المبلغ الذي يريد أخذه، فرفض، فطالبته الالتزام بالقيمة التي سأعطيها له دون أية شروط، ولكنه رفض واتجه للسباب وضرب مؤخرة السيارة لأكثر من مرة”.

الباركنج

ومن الناحية الأنثروبولوجية، فإن تنامي تلك الظاهرة يلقي الضوء على جانب حيوي للغاية من بناء المهن المصرية، وطبيعة الأعمال المرتبطة بالشارع، والتي تتخذ أشكالًا متعددة في مصر. د.يامن نوح، الباحث في علم الأنثروبولوجيا، يقول في هذا الصدد: “ظاهرة السائس تنامت بمصر في أعقاب الانفتاح الاقتصادي الذي قاده الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وذلك بفعل “التحول الاجتماع” الذي طرأ على البنية الثقافية والقيمية المصرية في ذلك التوقيت، المجتمع المصري أخذ شكلًا من التحول، يمكن أن نرصده في أفلام تلك الفترة التي كانت تحترم الحصول على رأس المال للغاية، على عكس أفلام الفترات السابقة، التي كانت تعلي من قيمة الموظف الحكومي المكافح”. ولكن نوح لا يلقي باللوم في مطلق الأمر على “السياس”، فهو يرى أن دراسة دوافع نشأة ونمو تلك الظاهرة لابد أن تكون موضوعة بعين الاعتبار قبل تناولها بالدرس والتحليل. وعن هذا يقول نوح: “طبيعة التحول في الطبقات الاجتماعية، شيء لا يعترف باللوم أو النظرة من أعلى، ذلك التحول طبيعي ومدفوع بالعديد من العوامل التي لا ينبغي من خلالها إقصاء السياس، ولا إقصاء المتضررين من تلك الظاهرة”. وجهة النظر المقابلة، من طرف السياس، تتجلى أكثر في تصريحات “ع.م” السائس بمدينة السادس من أكتوبر، والذي يتحدث عن “معاناة حقيقية يواجهها السائس في مصر”. ويقول “ع.م”: “نواجه كل يوم مخاطر متعلقة بحياتنا، وحياة أولادنا، وتضييقًا حكوميًا، ومعاملة سيئة للغاية من الزبائن، الذين لن تضرهم القيم البسيطة التي نطلبها منهم، ولكنهم يريدون دومًا التعالي والتكبر علينا”. أما “عم أحمد” السائس بإحدى مناطق محافظة الجيزة، فلديه نظرة أكثر تعقلًا حيال المشهد، ربما بدت من سنه الكبير، وطبيعته الأكثر ميلًا للوقار، وأصوله الصعيدية التي اتضحت من لهجته لدى إجراء الحديث معه. عم أحمد قال: “بعض الزبائن يعطوننا والبعض الآخر لا، الرافضون لا يكترثون لأمرنا إطلاقًا، بل يكتفون بالذهاب دون أن يتحدثوا معنا حتى، وطالما أن عملنا غير رسمي، فلا نملك توجيه اللوم لهم أو الرد على سلوكهم بأي تصرف”. ويضيف عم أحمد: “اتجهت إلى تلك الوظيفة بعد سنين طويلة من طلب أي دخل أكسب منه قوت يومي، فلم يكن من حل إلا الاتجاه لتلك الوظيفة، والحمد لله، يعوضني الله بدل الزبون الذي يرفض الدفع، بزبون آخر يدفع ضعف المبلغ”.

الباركنج

الدولة من جانبها تسعى إلى الوصول إلى حل لتلك المشكلة التي تؤرق الملايين في مصر، وهو ما دعا مجلس النواب المصري إلى مناقشة قانون خاص بالسياس. النائب أحمد السجينى، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، قال في تصريحات صحفية، إنه يرفض ابتزاز المواطنين بالشارع من خلال السياس، وبالتالي هناك أهمية لمناقشة مشروع قانون تنظيم أماكن وساحات انتظار السيارات والمواقف، كما طالب ممثلي الحكومة، خلال اجتماع اللجنة، بضرورة الانتهاء من رؤيتهم حول مشروع القانون، معلنا عقد اجتماع يوم 20 سبتمبر المقبل لاستكمال المناقشة. ومن جانبه قال اللواء علاء هراس، نائب محافظ الجيزة، إنه يجب إصدار مشروعي قانونين منفصلين، أحدهما ينظم أماكن ساحات انتظار السيارات ومهنة السايس، وآخر ينظم مرافق ومواقف سيارات الأجرة والسرفيس، مشيراً إلى أن مهنة “السايس” أصبحت لـ”الجباية”.

[vod_video id=”MhJzPZBakHxR4A1O1BsOw” autoplay=”1″]

المصدر : أحمد مجدي – روتانا

فرضت أزمة كورونا تغييراً في بعض العادات والأنماط السلوكية، ومن أبرزها عادات الزيارة والتجمعات، فصار ما قبل كورونا ليس كما بعده، وكثرة خلالها الاعتذارات

انشئ حساب

أقبل كافة الشروط والأحكام

نسيت كلمة السر؟

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني، سوف تتلقى رابط لإعادة تعيين كلمة السر