القائمة

مواضيع مشابهة

Share:

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter

آلاف الأسر اليمنية تشهد وضعاً إنسانياً كارثياً في ظل استمرار الصراع في البلاد

في ظل وضع إنساني متدهور أقل ما يمكن وصفه بـ “الكارثي”، يناضل ملايين اليمنيين للبقاء على قيد الحياة، بسبب الانعدام شبه التام لمقومات الحياة الأساسية مع انقطاع التيار الكهربائي، وانعدام المشتقات النفطية، ونفاد مخزون الأدوية من المستشفيات، وصعوبة إيصال المعونات الإنسانية، وموجات نزوح جماعي كبيرة لمئات الأسر.

هذا الواقع الصعب فرضته المواجهات الدائرة في معظم المحافظات اليمنية، لاسيما محافظتي عدن وتعز، بين الحوثيين ومقاتلي المقاومة الشعبية، ناهيك عن الغارات الجوية التي ينفذها طيران التحالف العربي على مواقع للحوثيين وقوات موالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.

فمع كل إشراقه شمس يوم جديد، يبدأ عبدالصمد محمد، رب أسرة مكونة من 5 أفراد يعيش حالياً في صنعاء، فصلاً جديداً من فصول المعاناة باحثاً عن لقمة العيش لأفراد أسرته.

المواجهات المسلحة العنيفة الدائرة في محافظة تعز، وسط اليمن، أجبرت محمد على ترك منزله وشد الرحال إلى محافظة صنعاء، التي تشهد هدوءا نسبيا أفضل من غيرها من المحافظات.

ويقول محمد لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) إنه وجد نفسه دون مصدر دخل يقتات منه هو وأسرته، بعد أن وصل إلى صنعاء، مضيفاً “أنا اعمل في مجال الإنشاء والتعمير بأجر يومي، ولكني لم أجد عملاً هنا بعد أن توقفت كافة الأعمال بسبب الوضع المضطرب الذي تشهده البلاد.”

يخرج محمد كل يوم للبحث عن أي عمل يحصل منه على أجر زهيد يجلب به الطعام لأسرته، ويوفر منه إيجار المحل الصغير الذي يقطن فيه هو وأسرته، وينامون ويأكلون، بالرغم من أنه صغير وغير مخصص للسكن.

وبحسب محمد، فإنه في كثير من الأحيان يكتفي هو وجميع أفراد أسرته بوجبة واحدة فقط، فيما يقف كل يوم في صف طويل قرابة ساعتين للحصول على بعض الماء من خزانات المياه المقدمة من فاعلي الخير للفقراء.

ويوضح “الموت أهون ألف مرة من أن ترى أطفالك أمامك يموتون جوعاً، وأنت عاجز عن توفير لقمة العيش لهم. لا يقبل أي شخص أن يعيش في هذا الدكان لكنها الظروف التي أجبرتنا على ذلك وأنا أخشى أن يصاب أطفالي بأمراض مثل سوء التغذية، أو أمراض أخرى كوننا نستخدم المياه التي أجلبها للشرب وطهي الطعام في حين أنها تصلح للطهي فقط.”

وفي الوقت الراهن، أصبح شبح الجوع، والمجاعة، والمرض، والنزوح يطارد آلاف الأسر اليمنية، بعد أن فقدت سُبل عيشها واضطرت للنزوح إلى أماكن أخرى هرباً من المواجهات الدائرة على الأرض، ومن غارات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية على مواقع للحوثيين وقوات لصالح.

فعلى سبيل المثال، تعيش أسرة أم إبراهيم النعيم، التي تنتمي إلى منطقة وصاب التابعة لمحافظة ذمار، وضعاً إنسانياً صعباً، بعد أن اضطرت لترك منزلها والانتقال للعيش في منزل والدها وشقيقتها عقب تعرض منطقة “فج عطان” التي تقطن فيها لقصف طيران التحالف العربي في 21 نيسان /ابريل الماضي.

مكثت أم إبراهيم وأولادها الثلاثة في منزل والدها حوالي ثلاثة أسابيع، قبل أن تحل بها “كارثة” جديدة فقد على إثرها ولدها إبراهيم، البالغ من العمر عامان ونصف، القدرة على الكلام والأكل وأضاف لأسرته معاناة جديدة إلى جانب معاناة النزوح.

وتقول أم إبراهيم لـ (د.ب.أ): “في يوم 12 أيار/مايو دخل إبراهيم دورة المياه، ووجد أمامه علبة تحوي سائل تنظيف وشرب منها، ومنذ ذلك الحين وهو لا يستطيع فتح فمه، أو تناول الطعام، وأصبح يعتمد بشكل أساسي على السوائل التي تصل إلى جوفه عبر أنبوب صغير يمتد من الأنف إلى المعدة مباشرة.”

التقرير الطبي الخاص بإبراهيم يوضح أنه يعاني من انغلاق كامل للفم وعدم القدرة على البلع، بسبب حروق ناتجة عن مادة قلوية شديدة، ويحتاج إلى تدخلات جراحية عاجلة في الفم والبلعوم والمريء في مركز متخصص خارج اليمن.

تغير وضع أسرة أم إبراهيم منذ أن تعرضت المنطقة التي كانت تقطن فيها للغارات الجوية، وتفرق شمل الأسرة حيث تعيش هي وولدها إبراهيم في منزل شقيقتها، بينما يعيش ولداها الآخران في منزل أبيها.

وتقول أم إبراهيم “كيف نسافر إلى الخارج ونحن لا نملك المال الكافي لذلك، فضلاً عن صعوبة السفر للخارج بسبب الحصار الذي يفرضه التحالف العربي على اليمن.”

تأخذ أم إبراهيم ولدها إلى المشفى كل أسبوع أو عشرة أيام لتغيير الأنبوبة التي تمر عبرها السوائل إلى معدة إبراهيم لتبقيه على قيد الحياة، ينتظر عودة أبيه الذي يعمل في إحدى المهن التقليدية في المملكة العربية السعودية.

هذا الوضع الإنساني المتدهور زاد من حدته انتشار الأمراض والأوبئة مثل حمى الضنك والكوليرا والملاريا نتيجة عدم توفر المياه النظيفة، وتكدس المخلفات وانتشار جثث القتلى في شوارع المدن التي تشهد مواجهات مسلحة بين الحوثيين والمقاومة الشعبية.

وبحسب اللجنة الطبية العليا في مدينة عدن، فقد بلغ عدد الإصابات بحمى الضنك حتى الأسبوع الماضي 8000 إصابة، إضافة إلى حوالي 590 حالة وفاة، أي أن هناك ما معدله 150 حالة جديدة من حالات الإصابة بحمى الضنك يومياً، في ظل نفاد الأدوية وإغلاق معظم المستشفيات، فيما أسفرت المواجهات بين الحوثيين والمقاومة الشعبية منذ 26 آذار/مارس الماضي وحتى 2 تموز/يوليو الجاري عن مقتل 710 وجرح 6861 من المدنيين.

تفاقم الأوضاع الإنسانية في اليمن بشكل غير مسبوق في الآونة الأخيرة دفع منظمات الأمم المتحدة إلى الإعلان عن رفع درجة حالة الطوارئ الإنسانية في اليمن إلى الدرجة الثالثة، وهي الدرجة القصوى، كما هو الحال في سورية والعراق وجنوب السودان.

وتصف تلك المنظمات الوضع الإنساني في اليمن بـ”الكارثي” ويتدهور يوماً بعد آخر ليقترب من المجاعة، مؤكدةً أن ما تمر به اليمن من قتال في الوقت الحالي سبب صعوبة في عمل المنظمات الدولية.

ووفقاً لأخر تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 30 حزيران/يونيو المنصرم، فإن هناك أكثر من 21 مليون شخص- أي 80 % من إجمالي سكان اليمن- بحاجة إلى المساعدات الإنسانية ويعانون من صعوبة الحصول على المياه الآمنة، ووسائل الصرف الصحي الملائمة، في الوقت الذي تتلاشى فيه شبكات الحماية والأمان الاجتماعي نتيجة استمرار العنف وانعدام الأمن.

وبحسب التقرير، فقد لقي أكثر من 3000 يمني مصرعهم، وأصيب 14000 آخرين بسبب الصراع، وبلغ عدد النازحين داخلياً أكثر من مليون شخص، وأصبح نظام الرعاية الصحية في اليمن على شفا الانهيار.

أطفال اليمن لم يكونوا أيضا بمنأى عن هذا الصراع، حيث أشارت منظمة اليونسيف إلى أن الصراع تسبب في تبعات طويلة الأمد على مستقبل الأطفال.

وقال ممثل منظمة اليونيسف المُقيم في اليمن، السيد جوليان هارنس، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) إن 279 طفلاً قتلوا وأصيب 402 أخرين بجراح نتيجة الصراع في اليمن خلال العشرة الأسابيع الأولى، منذ تصاعد العنف في اليمن في 26 آذار/مارس الماضي. وبحسب هارنس، فإن هذه الحصيلة تعتبر أربعة أضعاف المجموع الكلي لقتلى الأطفال في اليمن عام 2014، حيث بلغ عدد القتلى آنذاك 74 طفلاً، فيما أصيب 244 آخرين بجراح.

ويبقى بصيص الأمل الذي يعول عليه اليمنيون هو نجاح المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد في التوصل إلى إقرار هدنة إنسانية في اليمن، بعد وصوله إلى العاصمة صنعاء في 5 تموز/يوليو الجاري ولقاءه بممثلي الحوثيين في العاصمة العمانية مسقط.

وعادة ما تُلقي الحكومة اليمنية باللوم على عاتق جماعة الحوثي، وتتهمها بعرقلة التوصل إلى هدنة إنسانية والتسبب في تدهور الأوضاع الإنسانية نتيجة منع وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين وفرض حصار على عدن وتعز والضالع ولحج.

وقالت وزيرة الإعلام في الحكومة اليمنية نادية السقاف في تغريدة لها على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” إن الحكومة اليمنية تطالب الأمين العام للأمم المتحدة بفك الحصار عن المدن المنكوبة وعدن وتعز والضالع ولحج، مضيفة “الحوثيون يمنعون التحويلات المالية إلى عدن، وتعز كجزء من حصارهم لهذه المدن.”

من جهته، أكد ضيف الله الشامي، عضو المكتب السياسي للحوثيين، أن جماعته تقف دائماً في صف أعمال الإغاثة الإنسانية في اليمن.

وقال الشامي لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) أن جماعة الحوثي تدعم كافة أعمال الإغاثة الإنسانية الطارئة في اليمن وإيصال المساعدات الغذائية إلى الفئات المحتاجة، مضيفاً “نحن نرحب بأي هدنة إنسانية ما لم تكن مشروطة بأي شروط تهدف إلى تحقيق أهداف معينة.”

انشئ حساب

أقبل كافة الشروط والأحكام

نسيت كلمة السر؟

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني، سوف تتلقى رابط لإعادة تعيين كلمة السر